الشيخ محمد هادي معرفة
369
تلخيص التمهيد
السبر والتقسيم من أنواع الحجج المصطلح عليها في علم الجدل « السبر والتقسيم » باستقصاء جوانب المسألة وكلّ محتملاتها ، ثمّ إخراجها فرداً فرداً ، ليبقى الاحتمال الأخير هو الصحيح المطلوب . ومن أمثلته في القرآن ما جاء في سورة الأنعام بشأن ما زعمه المشركون من حرمة ذكور الأنعام تارةً وإناثها أخرى ، وإسناد تحريمهما إلى شريعة اللَّه ، افتراءً عليه . فجاء ردّ مزعومتهم بالشكل التالي : « ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ » . « 1 » خلاصة الاستدلال : إنّ اللَّه تعالى هو الذي خلق الزوجين من الأنعام - الذكر والأنثى - فهل كانت علّة تحريم ما ذكرتم هي الذكورية ؟ وعليه فيلزم تحريم كلِّ ذَكر من الأنعام ، ولا يخصّ بعضاً دون بعض ! وإن كانت علّة التحريم هي الأنوثية فلازمه أيضاً تحريم جميع الإناث من الأنعام ! وإن كانت لأجل اشتمال الأرحام عليها فلازمه تحريم الصنفين معاً ذكوراً وإناثاً ! وعليه فبطل تحريمهم لبعض دون بعض لغير ما سبب معقول . وأمّا احتمال أن يكون شريعة التحريم أخذوها عن اللَّه - بواسطة رسول أو بلا واسطة - فهو منفي ، أولًا : لأنّهم لم يدّعوه . وثانياً : ظهور بطلان الدعوى لو ادّعوها ، إذ لم يأتوا عليها بسلطان . ومن ثمّ عقبها بقوله : « قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ
--> ( 1 ) . الأنعام : 143 و 144 .